محمد طاهر الكردي
409
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وفي خلاصة الوفاء : قديد - كزبير - قرية جامعة بطريق مكة ، كثيرة المياه . وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة ، تحتبي بفناء الخيمة تسقي وتطعم . فسألوها تمرا ولحما ليشتروا منها . فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك . وكان القوم مرملين مسنتين ، فقال : واللّه لو كان عندنا ما أعوزتكم القرى . فنظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الشاة في كسر الخيمة ، فقال : ما هذه الشاة يا أم معبد ؟ قالت : شاة خلفها الجهد عن الغنم . قال : هل بها من لبن ؟ قالت : هي أجهد من ذلك . قال : أتأذنين لي أن أحلبها ؟ قالت : نعم بأبي أنت وأمي ، إن رأيت بها حلبا فاحلبها . فدعا بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فمسح بيده المباركة ضرعها وسمى اللّه عز وجل ، ودعا لها في شاتها فتفاجت عليه ودرت واجترت ، ودعا بإناء يربض الرهط فحلب ثجّا حتى علاه البهاء ، ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا ، ثم شرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم آخرهم ، ثم أراضوا ، ثم حلب ثانيا بعد بدء حتى امتلأ الإناء ، ثم غادروه عندها ، ثم بايعها وارتحلوا عنها . كذا ذكره البغوي في شرح السنة وابن عبد البر في الاستيعاب . وقال ابن الجوزي في الوفاء : قال لها : هات قدحا فجاءت بقدح فحلب فيه حتى امتلأ ، فأمر أبا بكر أن يشرب فقال أبو بكر : بل أنت اشرب يا رسول اللّه . قال : ساقي القوم آخرهم شربا . فشرب أبو بكر ، ثم حلب فشرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم حلب فشربت أم معبد ، ثم حلب فقال : ارفعي هذا لأبي معبد إذا جاءك . ثم ركبوا وساروا ، وقل ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا ، يتساوكن هزالا مخّهن قليل . فلما رأى أبو معبد اللبن عجب ، وقال : من أين لك هذا اللبن يا أم معبد ، والشاء عازب حيال لا حلوب بالبيت . قالت : لا واللّه ، إلا أنه مر بنا رجل مبارك ، من حاله كذا وكذا . قال : صفيه لي يا أم معبد . قالت : رأيت رجلا ظاهر الوضاءة ، أبلج الوجه ، حسن الخلق ، لم تعبه تجلة ، وفي رواية نحلة ولم تزريه صعلة ، وفي رواية صقلة ، وسيم قسيم ، في عينيه دعج ، وفي أشفاره عطف ، وفي صوته صحل ، وفي عنقه سطع ، وفي لحيته كثاثة ، أزج أقرن ، إن صمت فعليه الوقار ، وإن تكلم سما وعلاه البهاء ، أجمل الناس وأبهاه من بعيد ، وأحسنه وأعلاه من قريب ، حلو المنطق ، فصل ، لا نزر ولا هذر ، كأن منطقه خرزات نظمن يتحدرن ، ربعة لا تشنؤه من طول ولا تقتحمه العين من قصر ، غصن بين غصنين ، وهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا ، له